القاضي عبد الجبار الهمذاني
315
تثبيت دلائل النبوة
والأخفاق والاقدام إلا أزاله عنه وأخرجه منه ، وأسنده إلى عقاب يعتصم بها ، ومعاقل يأوى إليها ، وقلاع ومطامير وخلجان وبحار يمتنعون بها . ثم ركب البحار إليهم ، فأخرج الروم من الشام ومصر وأرض المغرب ولعلها مسيرة سنين ، وهي اليوم في أيدي عدة ملوك ، وغلب على أرمينية ، وصار ملوكها يؤدون الجزية ، وسار الاسلام حتى نزل على القسطنطينية وهي محصّنة / ممنّعة بالبحار والخلجان والجبال والأسوار ، فمذ غزاهم خلفاؤه وأصحابه كانوا في ذلة وفي شعاب ورؤوس مضايق قد سخت نفوسهم عن عيون ممالكهم واستسلموا ، وكانوا كأعراب يطلبون النجعة أو كلصوص يطلبون الغرّة ويطرقون النيام ، أو كصعاليك ينتظرون الفتنة بين المسلمين فينتهزون الفرصة ، فأما أن يكون ملك يظهر لهم ويقيم بإزائهم ويعاديهم الحرب ويناوئهم كما كان ذلك بين ملوك الفرس والروم وملوك الترك والهند فلا . فما ضربت ملوك الروم وتدا في بلادها فضلا عن بلاد المسلمين منذ غزاهم أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى سني نيف وخمسين وثلاثمائة للهجرة في زمن الديلم ، والسلطان بالشام إذ ذاك سيف الدولة علي بن حمدان ، وهو معروف الديانة والطوية للاسلام والغزاة وأهل السيرة والعنف بالرعية ، ومما كان يلجئهم بالجور إلى الهرب إلى الروم ، وشرح ذلك يطول . وكانت الروم تقول قد كفانا بأس المسلمين وشغلهم عنا وألجأهم إلينا ، وهو ملكنا الأكبر ودمستقنا الأعظم « 1 » . فأما ممالك السند والهند وأصحاب الفيلة والبأس والعز وفي البر والبحر ، فأخذ من ممالكهم في البر وركب إليهم في البحر مما يطول شرحه ، فحازه
--> ( 1 ) الدمستق هو لفظ استعمله العرب مرادفا لكلمة gouverneur - أي حاكم - في اللغات الأجنبية .